الحمدُ لله، والصَّلاةُ والسَّلام على رسولِ الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمَّا بعد:
فقد بوَّب الحافظ أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت الخطيب البغداديُّ (ت: 463هـ) فِي كتابه (تقييد العلم)[ص153 ط: دار الاستقامة] بابًا سَمَّاه (بابٌ في فضل الكتب وبيان منافعها)، نورد منه هنا ومِمَّا يليه من الأبواب مُختاراتٍ فِي أهميَّة الكتاب وفضله؛ تذكرةً للكاتب والقارئ.
1- فأوَّل ذلك ما أخرجه الخطيب ص154 بإسناده إلى الصَّحابِيِّ الجليل عبد الله بن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - في تفسير قوله تعالى:] وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا [[الكهف: 82] أنَّه قال:”كان صُحُفًا عِلمًا”، قال الحسن بن صالح أحدُ رواة هذا الأثر:”وأيُّ كنزٍ أفضلُ من العلم؟!”( ).
2- أورد الخطيب ص157 بإسناده عن بعض العلماء أنَّه قال:(الكتابُ جليسٌ لا مَئونةَ عليكَ فيه).
3- أورد ص158 بإسناده إلى جعفر بن مُحمَّد الْخُلْدِي أنَّه قال:
نِعْمَ النَّديمُ إذا خلوتَ كتابُ
إنْ خانَكَ النُّدَماءُ والأصحابُ
4- قال أبو بكر الخطيب ص158:(ومع ما في الكُتُبِ من المنافِعِ العَمِيمَة، والمفاخِرِ العَظِيمَة؛ فهي أكرمُ مالٍ، وأنفسُ جَمال، والكتابُ آمَنُ جليس، وأَسَرُّ أنيس، وأسْلَمُ نَدِيم، وأفْصَحُ كَلِيم).
5- أورد ص161و162بإسناده إلى مُحمَّد بن عليّ النَّحوي قال: ودَّعَ رجلٌ صديقًا فقال له:(استعنْ على وحشة الغُربةِ بقراءةِ الكتب، فإنَّها ألسُنٌ ناطِقَة، وعُيُونٌ رامِقَة).
6- أورد ص162بإسناده إلى ابن المعتزّ أنَّه قال:
لا شيءَ أنفعُ مِن كتابٍ يُدرَسُ
فيه السَّلامةُ وهْوَ خِلٌّ مُؤنِسُ
7- قال ص163: قيل لبعضهم: أما تستوحش؟ فقال: (يَستوحشُ مَن معه الأنسُ كلُّه؟!) قيل: وما الأنسُ كلُّه؟ قال:(الكتب).
8- وقال في الصَّفحة نفسها: قيل لآخر: ألا تنادمُ فلانًا؟ فقال:(قد نادمتُ مَن لا يتكلَّفُ لِي ولا أتكلَّفُ له)، قيل: ومن هو؟ قال:(الكتاب).
9- وقال في الصَّفحة نفسها: قيل لرجل: من يُنسك؟ فضرب بيده إلى كتبه وقال: هذه، فقيل: من النَّاس؟ فقال: الذين فيها.
10- أورد في الصَّفحة نفسها بإسناده إلى عبد الله بن المبارك أنَّه قيل له: يا أبا عبد الرَّحمن، لو خرجتَ فجلستَ مع أصحابك؟ قال:(إنِّي إذا كنتُ في المنزل جالستُ أصحابَ مُحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم) يعنِي النَّظر في الكتب.
11- أورد ص165و166 بإسناده إلى أبِي بكر القفَّال الفقيه الشَّافعيِّ في قصيدة له في مدح الكتاب من خمسةَ عشرَ بيتًا مطلعها:
خَلِيلِي كتابِي لا يَعَافُ وِصَاليَا
وإنْ قلَّ لِي مالٌ وولَّى جَمالِيَا
12- أورد في (باب الإكثارِ مِن الكُتُب)ص176و177 عن بعض أهل العلم أنَّه قال: بِعْتُ في بعض الأيَّام كتابًا ظننتُ أنِّي لا أحتاجُ إليه، فلمَّا كان ذات يومٍ هجسَ في صدري شيءٌ كان في ذلك الكتاب فطلبته في جميع كتبي فلم أجده، فاعتمدت أن أسأل عنه عالِمًا عند الصَّباح، فما زلتُ قائمًا على رجلي إلى الصَّباح، قيل: فهلاَّ قعدت، قال: لطول أرقي وشدَّة قلقي.
13- وفي ص177: باعَ آخرُ كتابًا ظنَّ أنَّه لا يحتاج إليه، ثُمَّ إنَّه احتاج إليه، فالتمس نسخةً به فلم يجدها بعاريةٍ ولا ثَمن، وكان الذي ابتاعه قد خرج به إلى بلده، فشخص إليه وسأله الإقالة وارتجاعَ الثَّمن منه، فأبى عليه، فسأله إعارته لنسخِ الكلمةِ منه، فلم يُجِبه، فانكفأ قافلاً وآلَى على نفسه ألاَّ يبيع كتابًا أبدًا.
14- وفي الصَّفحة نفسها: باع آخرُ كتابًا ظنَّ أنَّه لا يحتاج إليه، ثُمَّ إنَّه احتاج إلى كلمةٍ منه، فقصد صاحبه وسأله أن يكتبه تلك الكلمة، فقال: والله ما تكتبها إلاَّ بِثمن الكتاب كلِّه، فردَّ عليه ثمن الكتابِ وكَتَب تلك الكلمة.
15- وفي الصَّفحة نفسها: قيل لآخر: ألا تبيع من كتبك التي لا تحتاج إليها؟ فقال: إن لَم أحتجْ إليها اليوم احتجتُ إليها بعد اليوم.
16- وفي الصَّفحة نفسها: قيل لآخر: ألا تشتري كُتُبًا تكون عندك؟ فقال: ما يمنعُنِي من ذلك إلاَّ أنَّنِي لا أعلم، فقيل: إنَّما يشتريها مَن لا يعلمُ حتَّى يعلمَ.
17- وفي الصَّفحة نفسها: كان آخرُ يشتري كلُّ كتابٍ يراه، فقيل له: إنَّك لتشتري ما لا تحتاجُ إليه، فقال: ربَّما احتجتُ إلى ما لا أحتاجُ إليه.
18- أورد في باب (ذِكرُ من وظَّف على نفسه الشُّغل بمطالعة الكتاب ودرسه)ص180 بإسناده إلى عبد الله بن المبارك أنَّه قال:(من أحبَّ أنْ يستفيدَ فلينظرْ في كتبِه).
19- أورد في باب (من استوحش من الخليط والمعاشر فجعل أُنسه النَّظر في الدَّفاتر)ص184 بإسناده إلى عبد الله بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز أنَّه قال:(إنَّه ليس شيءٌ أوعظَ من قبر، ولا أسلمَ مِن وحدة، ولا آنَسَ مِن كتاب).
20- أورد ص185 بإسناده إلى ابن المعتزَّ أنه قال:
جعلتُ كُتْبِي أنيسي
لأنَّنِي لستُ أرضى
مِن دونِ كُلِّ أنيسِ
إلاَّ بِكُلِّ نَفيسِ
فهذا قليلٌ من كثيرٍ في فضل الكتاب وأهميَّته.
قال الحافظ ابن عبد البَرِّ في كتابه (جامع بيان العلم وفضله)(2/1231) في آخر بابٍ من أبوابه وهو:(بابٌ في فضل النَّظر في الكُتب وحَمْدِ العناية بالدَّفاتر):”وقد أكثر أهلُ العلمِ والأدبِ في جَمْعِ ما فِي هذا الباب من المنظومِ والمنثور” .
وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا مُحمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.